قبل أن نسأل: من نفذ حادثة استهداف سفينة الغاز في ميناء دمياط؟ ربما يكون من المفيد أن نسأل سؤالًا آخر: من المستفيد إذا تراجعت الثقة في دمياط كميناء آمن؟
لا أطرح هنا اتهامًا لأي طرف، ولا أدعي امتلاك أدلة، وإنما أحاول قراءة الحدث في إطار التنافس الجيوسياسي على تشكيل مجالات الطاقة والنقل في شرق المتوسط.
خلال السنوات الأخيرة، بدا واضحًا أن الولايات المتحدة تعمل على دعم تشكل مجال جيوسياسي يمتد من البلطيق، مرورًا بالبحر الأسود والبلقان، وصولًا إلى شرق المتوسط، ليشكل شبكة أمنية وطاقوية ولوجستية متماسكة في مواجهة النفوذين الروسي والصيني، مع تنويع طرق إمداد أوروبا بالطاقة وتقليل أثر أي اضطراب محتمل في الخليج العربي ومضيق هرمز. في هذا الإطار، فإن دمياط لا تبدو مجرد ميناء مصري، بل عقدة رئيسية داخل هذه الشبكة.
لكن اللافت أن الفترة الأخيرة شهدت تطورًا آخر لا يقل أهمية، وهو التقارب المصري–التركي، الذي لم يعد يقتصر على استعادة العلاقات السياسية، بل بدأ ينعكس في ملفات عملية، من ليبيا إلى الصومال، مع تنسيق في ملفات إقليمية أخرى.
والأهم من ذلك ما كشفته تقارير صحفية عن دراسة إطلاق خط رورو بين دمياط ومرسين، بعد نجاح خط دمياط–تريستا الذي فتح ممرًا مباشرًا مع أوروبا، في خطوة تشير إلى أن دمياط قد تتحول إلى نقطة وصل بين جنوب أوروبا والأناضول، وليس مجرد ميناء لتصدير الغاز.
إذا تحقق هذا المسار، فنحن نتحدث عن ما يفوق مجرد التعاون في الطاقة، وإنما عن تكامل بين شبكات النقل والطاقة واللوجستيات:
• دمياط تمتلك منشآت إسالة الغاز وموقعًا يربط المتوسط بقناة السويس.
• جيهان تمثل عقدة رئيسية لخطوط النفط والغاز القادمة من القوقاز والعراق.
• مرسين مرشحة لأن تصبح إحدى أهم العقد اللوجستية في شرق المتوسط مع توسع مشروعات النقل الإقليمي.
هذا يعني أن التنافس مستقبلًا لن يكون بين مصر وتركيا، وإنما بين مجالين مختلفين داخل شرق المتوسط.
فإذا تشكل محور دمياط–مرسين–جيهان، فمن الطبيعي أن تتراجع نسبيًا أهمية محور آخر يقوم على حيفا–قبرص–اليونان، والذي طُرح خلال السنوات الماضية باعتباره أحد مسارات الطاقة والنقل في شرق المتوسط.
ومن هنا يبرز السؤال التحليلي:
هل يكفي مجرد التشكيك في أمن دمياط، حتى دون تعطيلها بالكامل، لدفع بعض المستثمرين أو شركات التأمين أو شركات الشحن إلى إعادة تقييم البدائل داخل شرق المتوسط؟
لا أملك إجابة قاطعة، ولا أتهم أي طرف، لكنني أرى أن هذا السؤال يستحق النقاش.
ففي الجغرافيا السياسية، كثيرًا ما تكون المنافسة الحقيقية ليست على امتلاك الموارد، بل على امتلاك العقد التي تمر عبرها الموارد. لذلك قد يصبح الحفاظ على الثقة في ميناء أو ممر تجاري لا يقل أهمية عن امتلاك حقول الغاز نفسها.
الأمر لا يتجاوز مجرد فرضية تحليلية للنقاش، وليست عرضًا لوقائع مثبتة أو اتهامًا لأي جهة. لكنها محاولة لقراءة ما يحدث من زاوية تنافس المجالات الجيوسياسية أكثر من زاوية الحوادث المنفردة.
---------------------------------------------
روابط
ملحوظة: الصورة مولدة بالاستعانة بالذكاء الاصطناعي
رابط قناة تليجرام👇
https://t.me/+0NOXQn74MG1hZDQ0


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق