الثلاثاء، 10 فبراير 2026

الذكر ودوره في طمأنينة النفس


    مقدمة:

   الوصول إلى طمأنينة النفس ليس مجرد هدف نخبوي يسعى إليه المثقفون، كل حسب تعريفه أو رؤيته لهذه الطمأنينة، فالواقع أنه هدف إنساني عام، خاصة عندما يتحول العالم إلى نوع من سعار الصراعات حول موارد الثروة والرفاهية الاستهلاكية، وما ينتج عنهما من آراء وأفكار تسعى لتقديم المبررات لكل ما ينتج عن الصراع من ممارسات تتعارض في مظهرها وجوهرها مع القيم الدينية، بل وحتى القيم التي تعتقد بها بعض الإيدلوجيات العلمانية، حيث لا يمكن للمباديء أن تحقق أي فارق ذا قيمة في السلوكيات، وربما كان هذا ما يشير إليه الإمام الحسين (ع) في قوله : " الناس عبيد الدنيا، والدين لعق على ألسنتهم، يحوطونه ما درت معايشهم، فإذا محصوا بالبلاء، قل الديانون "[1] .


   في القرآن الكريم، يقول الله عز وجل ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾(الرعد/28)، لكن يبقى تساؤلين أساسيين: ما هو ذكر الله المقصود في الآية ؟ وكيف يمكن أن تطمئن القلوب بمجرد ذكر الله ؟ إضافة إلى العديد من التساؤلات المتفرعة من هذين التساؤلين .

   في هذه الدراسة سوف يهتم الباحث ببذل الجهد في محاولة للتوصل إلى إجابات لهذين التساؤلين وما يتفرع منهما، بهدف توضيح المعنى المقصود من ذكر الله في الآية، وكيف يمكن أن تتحقق الطمأنينة كنتيجة لهذا الذكر. ولتحقيق هذا الهدف قسم الباحث الدراسة إلى عدة مباحث:

-      مبحث تمهيدي : الذكر والطمأنينة في اللغة العربية

-      مبحث أول : العلاقة بين الذكر وبين المجتمع الاستهلاكي

-      مبحث ثاني : كيف يمكن للإنسان الوصول للطمأنينة عبر ذكر الله

-      خاتمة : استعراض لأهم نتائج الدراسة

   إن الهدف الأساسي من الدراسة هو البحث عن الجانب الاجتماعي من ذكر الله (عز وجل)، وهو الجانب العملي الحياتي من الذكر ومن الدين بشكل عام، بمعنى تطبيق المثل الدينية الإسلامية على أرض الواقع، إنطلاقاً من الوعي بأهمية هذا الجانب، خاصة في فترات التشوش والتشوه التي تعاني منها المجتمعات الإسلامية تبعاً لواقعها الاقتصادي المتردي والتابع للغرب، وهنا فإن ذكر الله (عز وجل) يجب أن يكون أحد الوسائل التي يعتصم بها المجتمع الإسلامي لمواجهة محاولات التشويه المجلوبة من الخارج، والاعتصام بالمثل الإسلامية، وذلك عبر الإلتزام بالذكر العلمي الإيجابي، وليس ذكر الله بالمعنى السلبي للبعض من الصوفية والذين فهموه كنوع من الإنعزال ورفض العمل[2] .

   مبحث تمهيدي : الذكر والطمأنينة في اللغة العربية

   في لسان العرب لابن منظور " الذكرُ الحفظ للشيء تذكرُهُ والذكرُ أيضاً الشيء يجري على اللسان والذكرُ جرى الشيء على لسانك .. الفراء يكون الذكرى بمعنى الذكر ويكون بمعنى التذكر في قوله عالى ﴾وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين﴿ والذكر والذكرى بالكسر نقيض النيسيان وكذلك الذُكْرَةُ ... قال الفراء الذكر ما ذكرته بلسانك وأظهرته والذُكْرُ بالقلب ... والذكر الكتاب الذي فيه تفصيل الدين ووضع الملل وكل كتاب من الأنبياء عليهم السلام ذكر والذكر الصلاة لله والدعاء إليه والثناء عليه وفي الحديث كانت الأنبياء عليهم السلام إذا حزبهم أمر فزعوا إلى الذكر أي إلى الصلاة يقومون فيصلون ... قال أبو العباس الذكر الصلاة والذكر قراءة القرآن والذكر التسبيح والذكر الدعاء والذكر الشكر والذكر الطاعة ... وقد تكرر ذكر الذكر في الحديث ويراد به تمجيد الله وتقديسه وتسبيحه وتهليله والثناء عليه بجميع محامده وفي الحديث القرآن ذكر فذكروه أي أنه جليل خطير فأجلوه ومعنى قوله تعالى ﴿ولذكر الله أكبر﴾ فيه وجهان أحدهما أن ذكر الله تعالى إذا أذكره العبد خير للعبد من ذكر العبد للعبد والوجه الآخر أن ذكر الله ينهى عن الفحشاء والمنكر أكثر مما تنهى الصلاة ... وفلان يذكر الله أي يصفه بالعظمة ويثني عليه ويوحده ... والذكر الشرف والفخر وفي صفة القرآن الكريم الذكر الحكيم أي الشرف المحكم العاري من الاختلاف "[3].

   إذن من الناحية اللغوية المأخوذة من نصوص القرآن الكريم، فالذكر ليس فقط مجرد الدعاء أو الصلاة أو حتى قراءة القرآن الكريم، وتمجيد الله عز وجل وتعظيمه باللسان، بل هو الطاعة والانضباط بحدود الشريعة الظاهرية وأغراضها الضمنية في الممارسات الحياتية اليومية بما يعني تمجيد الله وتعظيمه بالفعل عبر الإلتزام بأوامره وإرشادات نبيه (ص) .

   أما الطمأنينة، فيقول ابن منظور : " طأمن الشيء سكنه والطمأنينة السكون وأطمئن الرجل إطمئناناً وطمأنينة أي سكن ذهب سيبويه إلى أن إطمأن مقلوب وأن أصله من طأمن وخالفه أبو عمرو فرأى ضد ذلك ... وقوله عز وجل ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾(الرعد/28) معناه إذا ذكر الله بوحدانيته آمنوا به غير شاكين وقوله تعالى ﴿ قُل لَّوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ﴾(الإسراء/95) قال الزجاج معناه مستوطنين في الأرض واطمأنت الأرض وتطأمنت انخفضت ... وقيل في تفسير قوله تعالى ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾(الفجر/27) هي التي قد اطمأنت بالإيمان وأخبتت لربها وقوله عز وجل ﴿وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾(البقرة/260) أي ليسكن إلى المعاينة بعد الإيمان بالغيب ... قال أبو اسحق في قوله تعالى ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾(النساء/103) أي إذا سكنت قلوبكم يقال اطمأن الشيء إذا سكن وطأمنته وطمأنته إذا سكنته "[4].

   إذن فالإطمئنان هو السكون، والسكون بدوره هو " ضد الحركة سكن الشيء يسكن سكونا إذا ذهبت حركته وأسكنه هو وسكنه غيره تسكيناً، وكل ما هدأ فقد سكن كالريح والحر والبرد ونحو ذلك وسكن الرجل سكت وقيل سكن في معنى سكت وسكنت الريح وسكن المطر وسكن الغضب وقوله تعالى ﴿وله ما سكن في الليل والنهار﴾ قال ابن الإعرابي معناه وله ما حل في الليل والنهار ... وسكن هدأ بعد تحرك "[5]. إذن فالسكون هو الهدوء، فذكر الله إذن يجلب للإنسان هدوء القلب سواء من الشكوك أو من التعلق بأي شيء يخالف شريعته سواء حسب النص الظاهر أو حسب الهدف الجوهري للتشريع .

   لكن في قضية سؤال إبراهيم عليه السلام حول كيفية إحياء الله للموتى، قد تطرح علامات استفهام مهمة، فسؤال إبراهيم يتعلق بكيفية الإحياء كما أشار السيد الطباطبائي في تفسير الميزان، وليس عن أصل القدرة الإلهية على الإحياء الذي كان الإيمان بها محسوماً عند إبراهيم من ناحية الدليل. وبالتالي فبالرغم من أن عقل إبراهيم عليه السلام يستوعب قدرة الله على إحياء الموتى، لكن المشاهدة تمنحه الإطمئنان القلبي كذلك بمعنى حصول الإطمئنان المطلق وقطع منابت كل خطور قلبي واعراقه " فإن الوهم في إدراكاتها الجزئية وأحكامها لما كانت معتكفة على باب الحس، وكان جل أحكامها وتصديقاتها في المدركات التي تتلقاها من طريق الحواس، فهي تنقبض عن مطاوعة ما صدقه العقل، وإن كانت النفس مؤمنة موقنة به "[6]. إن تجربة إبراهيم عليه السلام تمثل إشارة إلى العلاقة بين اليقين العقلي واليقين القلبي، فاليقين العقلي يعتمد على الدليل المنطقي، بينما السكون القلبي أي الهدوء، يحتاج لما هو أكثر من الدليل، مثل المشاهدة التي طلبها إبراهيم عليه السلام في الآيات السابقة، أو موسى عليه السلام ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا ۚ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾(الأعراف/ 143)، وهنا يرى السيد الطباطبائي أن مطالبة موسى بالنظر إلى الله تعالى لا تتعلق بالرؤية البصرية الحسية وإنما بالنفس الإنسانية الشاعرة، التي يعرفها السيد الطباطبائي " هي نوع شعور في الإنسان يشعر بالشيء بنفسه من غير استعمال آله حسية أو فكرية، وأن للإنسان شعوراً بربه غير ما يعتقد بوجوده من طريق الفكر واستخدام الدليل بل يجده وجداناً من غير أن يحجبه عنه حاجب، ولا يجره إلى الغفلة عنه إلا اشتغاله بنفسه وبمعاصية التي اكتسبها "[7]. لكن هذه المطالب خاصة بمقام الأنبياء وأولي العزم من الرسل، فكيف يصل الإنسان المؤمن العادي إلى الإطمئنان عبر الذكر ؟ هل يكمن الفارق بين النبي والمؤمن العادي في الانتخاب الإلهي؟ أم يكمن في تخلي الأنبياء عن كل ما يحجب شعورهم بالقدرة الإلهية، في مقابل عدم قدرة المؤمنين العاديين على هذا التخلي بدرجات متفاوته ؟

   مبحث أول : العلاقة بين الذكر وبين المجتمع الاستهلاكي

   إن التساؤلات الذي انتهى إليها المبحث السابق تشير إلى أزمة الإنسان العادي، فهو ليس نبياً ولا رسولاً ولا إماماً، ومن المؤكد أن مبلغ علمه بالحقائق وما تطرحه من التساؤلات التي يمكن أن تنشأ عنها سوف يكون أقل كثيراً من النبي والرسول والإمام، بالرغم من أن القرآن الكريم والمرويات الإسلامية تشير إلى مؤمنين عاديين تمكنوا من الوصول إلى مراتب متقدمة من القرب من الله عز وجل، فمن الآيات القرآنية ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾(يونس/62)، ينقل العلامة المجلسي (ره) في تفسير أئمة أهل البيت عليهم السلام لهذه الآية ما يؤكد هذه الحقيقة : " عن بريد العجلي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: وجدنا في كتاب علي بن الحسين (عليهما السلام) ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ قال: إذا أدوا فرايض الله، وأخذوا بسنن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وتورعوا عن محارم الله، وزهدوا في عاجل زهرة الدنيا، ورغبوا فيما عند الله، واكتسبوا الطيب من رزق الله، لا يريدون به التفاخر والتكاثر ثم انفقوا فيما يلزمهم من حقوق واجبة، فأولئك الذين بارك الله لهم فيما اكتسبوا ويثابون على ما قدموا لآخرتهم "، وفي رواية أخرى : " عن عبد الرحمن بن سالم الأشل عن بعض الفقهاء قال: أمير المؤمنين ﴿إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ثم قال: تدرون من أولياء الله؟ قالوا: من هم يا أمير المؤمنين؟ فقال: هم نحن وأتباعنا، فمن تبعنا من بعدنا طوبى لنا طوبى لنا وطوبا لهم، وطوباهم أفضل من طوبانا، قيل: ما شأن طوباهم أفضل من طوبانا؟ ألسنا نحن وهم على امر؟ قال: لا لأنهم حملوا ما لم تحملوا عليه واطاقوا ما لم تطيقوا "[8].

أما الروايات الإسلامية فمنها ما نقله العلامة المجلسي (ره) : " عن إسحاق بن عمار قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلّى بالناس الصبح فنظر إلى شاب في المسجد وهو يخفق ويهوي برأسه مصفرّاً لونه، قد نحف جسمه، وغارت عيناه في رأسه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: كيف أصبحت يا فلان؟ قال: أصبحت يا رسول الله موقناً، فعجب رسول الله من قوله وقال له: إنّ لكلّ يقين حقيقة فما حقيقة يقينك؟ فقال: إنّ يقيني يا رسول الله هو الّذي أحزنني، وأسهر ليلي وأظمأ هواجري، فعزفت نفسي عن الدنيا وما فيها حتّى كأنّي أنظر إلى عرش ربّي وقد نصب للحساب، وحشر الخلايق لذلك، وأنا فيهم، وكأنّي أنظر إلى أهل الجنّة يتنعّمون في الجنّة ويتعارفون على الأرائك متّكئون، وكأنّي أنظر إلى أهل النار وهم فيها معذّبون مصطرخون، وكأنّي الآن أسمع زفير النار يدور في مسامعي. فقال رسول صلى الله عليه وآله وسلم: هذا عبد نوّر الله قلبه بالإيمان، ثمّ قال له: الزم ما أنت عليه، فقال الشابّ: ادعُ الله لي يا رسول الله أن أرزق الشهادة معك، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم يلبث أن خرج في بعض غزوات النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فاستشهد بعد تسعة نفر وكان هو العاشر "[9]. ويروي عن الإمام الصادق عليه السلام " طوبى لشيعة قائمنا المنتظرين لظهوره في غيبته, والمطيعين له في ظهوره, أولئك أولياء الله الّذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون "[10].

   لكن التساؤل الحقيقي والدقيق: كيف يصل المؤمن العادي إلى الاطمئنان القلبي بمجرد الذكر الذي أشار إليه علماء اللغة العربية، في إطار الواقع العملي المعاصر والذي يشير إلى أن فكرة الإطمئنان في الفترات الأخيرة أصبحت بعيدة للغاية عن المليارات من البشر حتى المؤمنين منهم؟!

   ربما تكمن الإجابة في البحث عن أسباب عدم الاطمئنان بالنسبة للإنسان عموماً، وهذه الأسباب قد تتحرك خلفها كذلك عوامل الشكوك التي تحيط بالإنسان المؤمن، والتي تسعى لإبعاده عن الحالة المعنوية والإيمانية للذكر المؤدي للإطمئنان، بل وفي بعض الإحيان الابتعاد عن بعض ضرورات الإيمان كذلك، مما يدفع بالبعض أحياناً للسقوط إلى انحرافات عقائدية في محاولة للتوفيق بين ضرورات الإيمان والواقع العملي المشوه في طبيعته كما تشير إليه الأبحاث الاقتصادية والاجتماعية الحديثة .

   لنبدأ بدراسة هذا الواقع المحيط، الذي تطور بدوره عن الحضارة الرأسمالية الغربية التي سادت في القرن التاسع عشر عقب الثورة الصناعية، وسعت لصياغة مجتمعها بعيداً عن الإيمان الديني في محاولة لتحييد الكنائس الغربية التي تعاطفت مع الإقطاع القديم[11] .

   يشير عالم الاجتماع جيل ليبوفتسكي إلى حجم التغيرات التي دفعت إليها الرأسمالية الجماهير منذ القرن التاسع عشر، كي يتحول الاستهلاك إلى نوع من الترفيه والاسترخاء لدى الأفراد : " بتطوير الإنتاج الضخم، خلقت المرحلة الأولى كلاً من التسويق الشامل والمستهلك الحديث. حتى ثمانينات القرن التاسع عشر، كانت المنتجات مجهولة، كما كانت تباع بدون تعبئة مع تواجد قليل للماركات الوطنية. للسيطرة على تدفقات الإنتاج وجعل معداتها مريحة، قامت المصانع الجديدة بنفسها بتعبئة منتجاتها عن طريق الإعلان على المستوى الوطني لماركاتها. لأول مرة تخصص شركات ميزانيات ضخمة للإعلان "[12]. لقد نشأت بناء على هذا التطور " الماركة " والذي أدت إلى تغيرات في العلاقة بين المستهلك وبائع التجزئة، فلم يعد المستهلك يثق بالبائع وإنما بالماركة، وازداد ارتباط المجتمع، بناء على هذا التغير، بالرأسمالية الصناعية، فضمان وجودة السلعة لم تعد قائمة على البائع وإنما على الثقة بالمصنع، وتحول المستهلك التقليدي إلى مستهلك حديث مع الاختراع الثلاثي (الماركة، التعبئة والإعلان) فإصبح المستهلك يشتري السلعة ويحكم على جودتها بناء على إسمها، وليس على تركيبتها[13] .

   شهدت هذه المرحلة كذلك ظهور المتاجر الكبيرة وعصر التوزيع الضخم، الذي يقوم على تصريف سريغ للمخزون واعتماد أسعار منخفضة بهدف البيع على نطاق واسع مع هامش ربح أقل. وبناء على هذه السياسة حول المتجر الكبير السلع التي كانت مخصصة للنخبة سابقاً لمواد استهلاك جماهيرية موجهة للبرجوازية. وبالتالي فقد قامت بتفعيل ما يطلق عليه " دمقرطة الرغبة " أو ما يمكن تسميته " دمقرطة الاستهلاك "[14]. الأمر الذي أدى لربط طبقات وشرائح أكبر من المجتمع بعملية الإنتاج الرأسمالي عبر الاستهلاك الواسع .

   كانت المرحلة الثانية هي الأكبر، حيث شهدت الفترة بداية من 1950، حيث شهدت نمو استثنائي في مستوى إنتاجية العمل، وتضاعف القدرة الشرائية للأجور ثلاث أو أربع مرات، وبرز شعار " مجتمع الإستهلاك الضخم " مستكملة مرحلة دمقرطة السلع، حيث أصبحت المنتجات التي ترمز للمجتمع الغني في متناول الغالبية من الناس، مما سمح للمزيد من الطبقات والشرائح الاجتماعية بالتطلع إلى تحسين ظروفها المعيشية، عبر انتشار الإئتمان. أدت دمقرطة الاستهلاك والراحة، وانتشار المتعة والترفيه، إلى نسف التعارض التقليدي بين الميل للضروريات الخاص بالطبقات الشعبية، والميل للترف الخاص بالطبقات الغنية، في هذه الديمقراطية للاستهلاك المفرط يصبح كل إنسان طامع فيما هو أفضل وأجمل، وطامح للحياة الأفضل في أحسن الظروف[15]. وهو ما دعم حالة الصراع والتسابق اللاهث تجاه الرفاهية داخل المجتمع الواحد، وأثر هذا التطور لحد كبير على الإخلاقيات الاجتماعية " إن المرحلة الثانية هي تلك التي ستتفتت فيها المقاومات الثقافية القديمة بسرعة فائقة لصالح تفاهات الحياة المادية التجارية. كل الجهاز الاقتصادي يعمل على ذلك من خلال تجديد المنتجات، تغيير الموديلات والأساليب، والموضة، والائتمان والإغراء الإعلاني، يشجع على الائتمان من أجل شراء عجائب أرض الأحلام، وتحقيق الرغبات دون انتظار "[16].

   تبدو طبيعة مجتمع الاستهلاك المفرط، المنتشرة بشكل تدريجي منذ صعود الرأسمالية الصناعية، غير متوافقة مع الأديان والثقافات السائدة، فالتطلع والتسابق والصراع لتحقيق الرفاهية والرغبات، تتعارض مع التشريعات الدينية بأنواعها. تحتوي الأديان على مبيحات ومحرمات وهو ما يتعارض مع الاستهلاك، فالرأسمالي يجد أن من حقه صناعة وترويج أي سلعة مهما كانت، بل يسعى لتحويل أي شيء إلى سلعة أو شيء، بما فيها الإنسان ذاته[17]، ومن هنا كان يجب على الرأسمالية القضاء والتشكيك في قيمة الثقافات القديمة والأديان، ومحاولة إسقاطها .

   في هذا الإطار يبدو السقوط في فخ التطلع للرفاهية والاستهلاك المفرط وهماً يقف حائلاً وحاجباً بين الإنسان وبين الذكر الفعلي لله عز وجل، بل ويمارس دور الحاجب لشعور الإنسان بالقدرة الإلهية. فالمجتمع الاستهلاكي فوضوي بطبيعته، يسمح للإنسان بإطلاق العنان لكل غرائزه دون تحكم، فالإنسان في هذا المجتمع لا يستهلك ما يحتاجه، وإنما يرتبط الاستهلاك بالمكانة الاجتماعية أحياناً وبالرفاهية الزائدة والسفيهة أحياناً أخرى، وهو ما يتعارض مع التنظيم الديني للمجتمع القائم بالأساس على الانضباط السلوكي والأخلاق، ومن هنا كان على الرأسمالية التركيز على تفكيك المجتمعات وتأكيد النزعات الفردية، ومحو الحداثة النظامية السابقة التي هيمنت عليها المواجهات وأيدولوجيات الصراع الطبقي، تحت مسمى الحريات الفردية المطلقة، ومثل هذه الحريات الغرض الأساسي منها هو حرية استهلاك أي شيء، وكلما قام الانسان بالاستهلاك تولدت حاجات استهلاكية جديدة، في سعي دون توقف نحو احتياجات لا تنتهي. وبالتالي فإن عدم امتلاك الفرد القدرة المالية على الاستهلاك تعني فقدانه لهذه الحريات والمكانة الاجتماعية، حيث تعد زيادة الاستهلاك قيمة اجتماعية في حد ذاتها[18]، الأمر الذي يدفعه للسعي الدائم والحثيث لتحقيق الرفاهية بكل الوسائل، ويجعله عبداً لمصادر استهلاكه، أي عبد للرأسمالية في النهاية .

   إن إنساناً من هذا النوع لا يمكنه الحصول على الاطمئنان، أو حتى تحقيق إيماناً سليماً يسمح له بالاطمئنان إذا ذكر الله، فهو في النهاية لن يتجاوز حالة ظاهرية تفتقد للوعي والعمق بقيمة الإيمان وحقيقة القدرة الإلهية، فهو في واقعة خاضع تماماً لاستهلاكه ومساعيه للرفاهية التي يفرضها الضغط الاجتماعي الناتج عن اقتصاد الاستهلاك المفرط، توجب عليه صراعات ومخالفات كثيرة للقيم السلوكية والأخلاقية التي تفرضها الشريعة المنزلة، والتي بدورها تستهدف إسقاط هذه الشرائع المعيقة لسياسات الاستهلاك .

   مبحث ثاني : كيف يمكن للإنسان الوصول للطمأنينة عبر ذكر الله

   إذن يبقى التساؤل كيف يمكن للإنسان الوصول للطمأنينة عبر ذكر الله؟ يمكننا أن ننطلق من تحديدنا للمشكلة في المبحث السابق. يقول الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام " لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حراً "[19]، ويقول في نص آخر " لا يسترقنك الطمع وقد جعلك الله حراً "[20]، ومعنى مقولتيه عليه السلام أن العبودية لا تكون إلا لله عز وجل، بما يعني الاستغناء عن ما يؤدي لحجب شعورهم بالقدرة الإلهية، وهو ما يوضحه الإمام جعفر الصادق عليه السلام " إن الحر حر على جميع أحواله، إن نابته نائبة صبر لها، وإن تداكت عليه المصائب لم تكسره وإن أسر وقهر واستبدل باليسر عسرا، كما كان يوسف الصديق الأمين صلوات الله عليه لم يضرر حريته أن استعبد وقهر وأسر"[21]، وتنقل مصادر الحديث الإسلامية الشيعية على لسان السيد المسيح عليه السلام " بماذا نفع أمرؤ نفسه باعها بجميع ما في الدنيا ثم ترك ما بعها به ميراثاً لغيره ؟! أهلك نفسه، ولكن طوبى لامرئ خلص نفسه واختارها على جميع الدنيا "[22] .

   إن هذه المقولات المأثورة عن أهل البيت والسيد المسيح عليهم السلام، تتعارض مع منظومة المجتمعات الاستهلاكية، فهي تعتمد بالأساس على الاستغناء عما لا حاجة فعلية أو ضرورة حياتية له، لكن في المقابل تحث المرويات عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعن أئمة أهل البيت عليهم السلام على العمل المنتج، ومنها : " روى عليّ بن أبي حمزة قال: "رأيت أبا الحسن عليه السلام يعمل في أرض له قد استنقعت قدماه في العرق، فقلت له: جُعلت فداك، أين الرجال؟ فقال: يا عليّ قد عمل باليد من هو خير منِّي في أرضه ومن أبي، فقلت له: ومن هو؟ فقال: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين وآبائي عليهم السلام كلُّهم كانوا قد عملوا بأيديهم وهو من عمل النبيين والمرسلين والأوصياء والصالحين "[23].

   إذن فالعمل المنتج، يقترن باستهلاك المجتمع لما ينتجه، وليس استهلاك ما ينتجه الرأسمال لمصالحه الخاصة بعيداً عن احتياجات المجتمع الضرورية، وهذا العمل المنتج يرتبط بالانضباط والسلوك الأخلاقي الملتزم، في مقابل المجتمع الاستهلاكي الذي يقترن بالصراع على الرفاهية ومظاهر التطلع للترقي الاجتماعي وإطلاق العنان للرغبات .

   إن تحول المجتمعات الإسلامية إلى مجتمعات منتجة يعد الأرضية الاقتصادية والاجتماعية للحفاظ على معتقداتها وثقافتها الأصيلة، وبالتالي الوصول لرفاهية الإنتاج التي لا تتعارض مع السلوكيات الدينية خاصة أنها ترسخ للسلم الاجتماعي عبر تحقيق التقارب في الثروة بين طبقات وشرائح المجتمع، كما تحافظ على المثل والإخلاقيات المرتبطة بالدين والتراث، وتؤدي لتطورها إلى الأفضل بعلاج عدد من السلبيات التي نتجت أصلاً عن انتشار نسب الفقر والتفاوت الطبقي، ولا تخضع لاستغلال الرأسماليين واستخدامهم للسلعة كوسيلة لاستعباد الجماهير والسيطرة على توجهاتهم، وهو ما يسمح للإنسان من الناحية النفسية بالخروج من دائرة الصراعات التي يفرضها السعي المحموم لتحصيل الرفاهية والاستهلاك بهدف تحقيق مكانة إجتماعية أو استهلاك مفرط تحت تأثير الدعايات الإعلانية، بما يصاحبه من تردي ثقافي وسلوكي، أو بمعنى أدق الإفلات من العبودية لمصادر الاستهلاك التي يسيطر عليها الرأسماليين.

   وبديهي أن الإنسان المؤمن في حال تمكن من الانعتاق من هذا الصراع الوهمي في جوهره سوف يتجاوز الكثير من الحجب التي تحجب بينه وبين الشعور الوجداني بالقدرة الإلهية، وهو ما يشير إليه الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام في تعريفه لمعنى الزهد : " الزهد في الدنيا قصر الأمل وشكر كل نعمة والورع عن كل ما حرم الله عز وجل "[24]، ويشرح الإمام الصادق عليه السلام خطورة الابتلاء بالسعي المحموم خلف الاستهلاك في توضيحه للفارق بين أصحاب عيسى عليه السلام وأصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم : " إن أصحاب عيسى عليه السلام كفوا المعاش وإن هؤلاء ابتلوا بالمعاش "[25]، وهنا يشير الإمام الصادق عليه السلام، بأسلوب ضمني، للانحرافات التي قام بها بعض الصحابة عقب وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم كنتيجة لتوافر الثروة في الدولة الإسلامية خاصة في فترة خلافة عثمان بن عفان التي شهدت نهايتها صراع اجتماعي كان له تداعياته الخطيرة لاحقاً[26] .

   في تفسيره (من وحي القرآن) يشرح السيد محمد حسين فضل الله (ره)، المقصود بالنفس المطمئنة، من خلال تفسيره للآية ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾(الفجر/27)، يقول عن هذه النفس " التي عاشت الطمأنينة الروحية، في انفتاحها الفكري الإيماني على آفاق الله في صفات الكمال والجمال، فتخلقت بأخلاقه، ووثقت به، واطمئنت إليه وإلى قضائه، والتزمت بطاعته، وأنابت إليه، فهي معه، لا مع الناس، وعندما تكون معهم، فإنها تتحرك بالشعور الإيماني في محبة الله ورضاه، في ما يريده لها أن تكون علاقتها بهم قريبة إلى رضوانه، لأنها ترضى برضى الله وتسخط بسخطه، فتوالي من والى الله وتعادي من عاداه"، وعلى الجانب الآخر من الحياة، جانب الابتلاء، يقول السيد فضل الله " وإذا واجهتها المشاكل والضغوط والآلام والأحزان والتحديات، فإنها تتلقى ذلك كله بصبر جميل، وروح رضية، وأمل كبير بالله، وثقة بما عنده، فلا تجزع، ولا تهلع، ولا تسقط ولا تهتز، لأن الإطمئنان الروحي الذي يغمر روحها وحياتها، يتحول إلى اطمئنان عملي بالنتائج الإيجابية من خلال الموقف القوي الهادئ الواثق بالله "[27] .

   وما يشير إليه السيد فضل الله (ره) في تفسيره للنفس المطمئنة، هو ضرورة الإرتباط بالله عز وجل، وإطاعة أحكامه والالتزام بشريعته، حتى في مواجهة الضغوط الحياتية، وهذا يعني، من ضمن معانيه، عدم الخضوع لمجتمع الاستهلاك المفرط الذي يؤدي بدوره للانحطاط الأخلاقي والسلوكي والثقافي، والضعف في مواجهة الواقع وتقلباته. وهنا لا يشير السيد فضل الله (ره) إلى الفرد المسلم فقط، وإنما إلى المجتمع المسلم ذاته، فالوصول لمرحلة النفس المطمئنة على المستوى الفردي ليس القضية الحقيقية وإنما الوصول إليها على المستوى العام بالمجتمع المسلم هو القضية التي يسعى إليها العلماء المسلمون عموماً، وهذا ما يبدو في تعليقه (ره) على الآية القرآنية ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾(آل عمران/14) يقول سماحة السيد فضل الله (ره): " إن الله لا يريد للإنسان أن يترك شهوات الحياة الدنيا فيحرم نفسه منها تماماً، أو يرى في حرمان نفسه منها قيمةً روحيةً ذاتيةً، بل يريد له أن يعاملها كما يعامل المتاع الذي يقضي فيه حاجته من دون أن يعطيه حجماً أكبر وقيمةً أعلى، أمّا القيمة فهي التطلع لما عند الله الذي يتحوّل إلى عمل دائب من أجل أن يجعل الحياة كلها سائرةً على درب الله في ما يريده لها من نظام وشريعة، وعلى هدى العقيدة الصحيحة التي تبني الحياة على قاعدة ثابتة من الإيمان بالله. وتلك هي السعادة، كل السعادة، أن يعيش الإنسان همَّ الرسالة من أجل الإنسان والحياة لتحقيق رضا الله في ذلك كله، وتلك هي النفس المطمئنة الراضية المرضية التي يناديها الله للدخول في عباده وجنته..."[28].

   في هذا التعليق يشير السيد فضل الله (ره) إلى ما يحتاجه الإنسان المؤمن العادي (وهو صورة الإنسان الأكثر إنتشاراً بين الجماهير) في ممارساته الحياتية، لكي يصل إلى مرحلة النفس المطمئنة، فممارسة الاستهلاك للاحتياجات الإنسانية يجب أن لا يكون هدفاً كما تروج وسائل إعلام المجتمع الاستهلاكي، وإنما مجرد وسيلة يحققها من خلال عمله وإنتاجه، مع الإشارة إلى أن الهدف هو الحصول على ما عند الله عز وجل: " لأن حبّ هذه الأمور لا يفرض المعصية في ممارستها، بل يمكن للإنسان أن يمارسها في موقع الطاعة، كما يمكن أن يمارسها من موقع المعصية. ولهذا كانت الفكرة المقابلة لها منطلقةً من قاعدة إثارة الاهتمام باللذات التي تنتظر الإنسان في الحياة الآخرة، لئلا يستسلم للذات الحياة الدنيا استسلاماً كلياً، بحيث يندفع إلى الانحراف عن خط الله في سبيل الحصول عليه، فالآية ليست واردة في مورد الرفض المطلق لهذه الشهوات، بل هي واردة في مورد الموازنة بينها وبين شهوات الآخرة الدينية والروحية، في مجال الحاجة إلى إقامة التفاضل فيما بينها "[29].

   لقد أشار كل من السيدين محمد حسين الطباطبائي (ره) في تفسيره (الميزان)، ومحمد حسين فضل الله (ره) في تفسيره (من وحي القرآن) إلى الخلاف بين المفسرين حول فاعل (زُين) وقد جاءت الكلمة مبنية للمجهول، وتبنى كل منهما رأياً مختلفاً عن الآخر ما بين نسبة الفاعل إلى الله عز وجل أو إلى الشيطان[30]، ومع أن كلا الرأيين يحمل وجاهة وأدلة قوية، إلا أن العالمين الجليلين تجاهلا الواقع الاجتماعي من هذه القضية، فبعض هذه المزينات التي تحدثت عنها الآية ليست أصيلة في حياة الإنسان منذ نشأته، وإنما تحولت إلى زينة كنتيجة للصراع الاجتماعي الناشيء عن التطورات الاقتصادية التي شهدها الإنسان، فالقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام ليست شهوات فطرية وإنما هي تطلعات اجتماعية بالأساس، ومن هنا فمع اتفاقي مع السيد الطباطبائي في أن الآية وردت في مقام الذم لحب الشهوات وحب كثرة المال، إلا أن رأي السيد فضل الله في أن طبيعة الجانب المادي في الإنسان يستدعي الحركة نحو هذه الأمور هو الأكثر واقعية[31].

   ويمكن أن نلخص الأمر في أن الآيات القرآنية تطرح سلبية التكالب على حب الشهوات وحب كثرة المال بالنسبة للإنسان باعتباره هدف، وهو نفس ما يدعو إليه المجتمع الإستهلاكي، خاصة أن كثرة المال والذهب والفضة والممتلكات ليست ثابتة وإنما هي نتيجة للتفاوت الطبقي داخل المجتمع، وحتى على هذا المستوى من الممكن أن يتغير وضعها، وبينما كان الذهب والفضة وحدهما هما رمز الثروة سابقاً، فإن الفترة الحالية ترى أن هناك رموز أخرى كالطاقة والمعادن الحيوية. بل أن قيام السعودية في السبعينات بتسعير كافة صادراتها النفطية بالدولار الأمريكي ساهم في قوة هذه العملة وفي نمو الاقتصاد الأمريكي وقوته[32].

   وترى الآيات القرآنية أن الهدف الحقيقي الذي يجب أن يتطلع إليه الإنسان هو ما عند الله في الآخرة، وتكمل مرويات أهل البيت عليهم السلام بأن الحل العملي الحياتي المقابل لسعي الإنسان الحثيث على الاستهلاك وإرضاء الشهوات والصراع من أجل كثرة المال، هو العمل المنتج والاستهلاك من هذا الإنتاج، وهو المشروع الذي يجب أن يحققه المجتمع الإسلامي ككل، وليس عبر الشأن الفردي فقط . خاصة أن هذا التكالب لن يتوقف أبداً كما يشير جيل ليبوفتسكي: " النتيجة المتوقعة: كلما اغتنت مجتمعاتنا تولدت بلا توقف رغبات استهلاك جديدة. كلما استهلكنا رغبنا في الاستهلاك: لا يمكن فصل عصر الوفرة عن التوسع غير المحدود لدائرة الرضا المنشود وعن عدم القدرة على استيعاب شهيات الاستهلاك، كل إشباع لحاجة تصاحبه فوراً طلبات جديدة. ومن هنا كان السؤال التقليدي: ما سر هذه الزيادة للحاجات التي لا نهاية لها؟ ما الذي يجعل المستهلك يجري بلا كلل؟ "[33].

   وبعيداً عن أن ليبوفتسكي يبحث في صفحات كتابه عن رأسمالية أخلاقية، بالرغم من أن كل ما يذكره يشير لانعدام الأخلاق في الممارسة الرأسمالية من بدايتها خاصة أنه يتجاهل ما مارسته هذه الرأسمالية من نهب للمستعمرات كي توفر هذه الرفاهية لمجتمعاتها، حيث لا يرغب ليبوفتسكي أن يعيش في دولة ماركسية صارمة في رفضها للإنحلال البرجوازي[34]، أو في دولة إسلامية صارمة في الانضباط السلوكي، لكن في كل الأحوال يؤكد على حقيقة ما أشار إليه القرآن الكريم والمرويات عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأئمة أهل البيت عليهم السلام، من خطورة الانصياع لهذه الرغبات الاستهلاكية سواء على الفرد ذاته أو على المجتمع ككل .

   خاتمة

   يمكن استعراض أهم نتائج هذه الدراسة القصيرة في إطار نتيجة مهمة للغاية: أن الواقع الاقتصادي والاجتماعي للإنسان المؤمن لا ينفصل أبداً عن حالته الإيمانية، وهو ما يشير له النبي صلى الله عليه وآله وسلم : " بارك لنا في الخبز ولا تفرق بيننا وبينه فلولا الخبز ما صلينا ولا صمنا ولا أدينا فرائض ربنا "[35]، وأشار له سلمان الفارسي (رض) فيما رواه الإمام الصادق عليه السلام عنه، في حواره مع بعض الذين لاموه على أنه إذا أخذ عطاءه رفع منه قوته لسنة حتى يحضر عطاؤه من قابل، فقالوا له : " يا أبا عبد الله أنت في زهدك تصنع هذا وأنت لا تدري لعلك تموت اليوم أو غدا فكان جوابه أن قال: مالكم لا ترجون لي البقاء كما خفتم علي الفناء، أما علمتم يا جهلة أن النفس قد تلتاث على صاحبها إذا لم يكن لها من العيش ما يعتمد عليه فإذا هي أحرزت معيشتها اطمأنت "[36]. وهنا يشير رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وصاحبه سلمان الفارسي (رض) إلى أن الإنسان المؤمن لا ينفصل أبداً عن واقعه الاقتصادي والاجتماعي، ومعنى هذا أن تحقيق الاستقلال والاكتفاء الاقتصادي والمساواة الاجتماعية للجماهير عموماً والمؤمنين خصوصاً بما يسمح لهم بالتخلص من تبعات الضغوط الاقتصادية والاجتماعية المحيطة والحاجبة بدورها لشعور الإنسان بالقدرة الإلهية، ليس مشروعاً فردياً للإنسان المؤمن بقدر ما هو مشروع جماعي يجب أن تقوم به الدولة التي تتبنى طموحات الجماهير في التخلص من هذه الأعباء الوهمية التي يجبرهم النظام الرأسمالي الغربي المسيطر على الواقع العالمي على الخضوع لها والانغماس فيها بآلياته الدعائية المضللة .

   من المؤكد أن البعض من البشر يمكنه تحقيق هذا الانفصال بشكل فردي، وفي نفس الوقت عدم إهمال أدوارهم الاجتماعية، وهم سيكونون قلة بالتأكيد، وحتى الآيات القرآنية والمرويات الإسلامية التي استعرضناها سابقاً، تتحدث عنهم كقلة واعية بدرجة لا مثيل لها، بالرغم من أن السيطرة الاقتصادية والضغوط الاجتماعية كانت أقل في هذه العصور من العصر الحالي، وفي كل الأحوال من الطبيعي أن الحصول على هذا القدر من الوعي يخضع لظروف خاصة لا يمكن أن تتاح للنسبة الأكبر من الجماهير .

   إلا أن القضية لو كانت قاصرة على وعي قلة معينة أو نخبة مختارة، فالأمر لا يحتاج للكثير من البحوث أو الدراسات، لكن التساؤل الأساسي هو كيف يمكن للمؤمن العادي الحصول على حقه من الإطمئنان بذكر الله عز وجل، وبالتالي يكون هنا الدور الفاعل لقيادة النخبة الواعية للجماهير من أجل تأسيس الدولة المعبرة عن طموحاتهم في الوصول لمرتبة النفس المطمئنة، والحصول على الخلاص والاطمئنان بذكر الله، وعلى هذه الدولة أن تحقق لهم هذا الهدف عبر وسائلها، سواء الحماية الاقتصادية والاجتماعية، وصياغة المجتمع برؤية واضحه تستهدف إسقاط الاستغلال الرأسمالي، أو التوجيه الإعلامي الذي يضعف من التأثير الضخم للآلة الإعلامية الغربية الرأسمالية التي تحاول تجميل هذا الاستغلال واعتباره من طبائع الأمور، وينشر الوعي بحقيقة وسلبيات مجتمع الاستهلاك المفرط والتداعيات السلبية للخضوع له على كل مناحي الحياة .

   وقد تنبه مفجر الثورة الإسلامية، الإمام روح الله الموسوي الخميني (س)، في محاضراته بالنجف الأشرف إلى خطورة وأهمية هذه الخطوة، عبر محاضراته عن الجهاد الأكبر وتزكية النفس التي وجهها لطلابه بالنجف، مشيراً إلى أن إعداد هذه النخب ليس الهدف منه خلاصهم الفردي وإنما قيادة المجتمع المسلم لتحقيق هذا الخلاص[37] .

أحمد صبري السيد علي

المنصورة 15 أغسطس 2025

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المصادر والمراجع

1-  القرآن الكريم

2-   ابن منظور الأفريقي (أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم الأنصاري الخزرجي المصري)

لسان العرب . طبعة خاصة لوزراة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية . طبعة دار النوادر الكويتية (بدون ذكر رقم الطبعة) . الكويت 2010 .

3-   أحمد صبري السيد علي

الجذور الطبقية لثورة الإمام الحسين . طبعة دار الحمراء للطباعة والنشر والتوثيق والتوزيع . الطبعة الأولى . بيروت 2008 .

4-   جيل ليبوفتسكي

السعادة المتناقضة (مقالة عن مجتمع الاستهلاك المفرط) . ترجمة/ الشيماء مجدي . طبعة مؤسسة نماء للبحوث والدراسات . الطبعة الأولى . القاهرة 2022 .

5-   حسام الدين فياض

نظرية نقد المجتمع الاستهلاكي عند جان بودريار . مقال بمجلة الثقافة الجديدة . بغداد . عدد 434 نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 .

6-   روح الله الموسوي الخميني

الجهاد الأكبر . بدون ذكر المترجم . طبعة مؤسسة تنظيم ونشر تراث الإمام الخميني – الشؤون الدولية . الطبعة السادسة . طهران 2004 .

7-   ماو تسي تونغ

مقاطفات من أقوال الرئيس ماو . بدون ذكر المترجم . طبعة وكالة الصحف العالمية . الطبعة الرابعة . القاهرة 1968.

8-   محمد باقر المجلسي

بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار عليهم السلام . طبعة دار إحياء التراث . الطبعة الثالثة . بيروت 1983 .

9-   محمد حسين الطباطبائي

الميزان في تفسير القرآن . طبعة مؤسسة الأعلمي للمطبوعات . الطبعة الأولى . بيروت 1997 .

10-                  محمد حسين فضل الله

من وحي القرآن . طبعة دار الملاك . الطبعة الثانية . بيروت 1998 .

11-                  محمد الريشهري

ميزان الحكمة . طبعة دار الحديث . الطبعة الأولى . قم 1422 ه ق .

12-                  محمد بن يعقوب الكليني 

الكافي (الفروع) . منشورات الفجر . الطبعة الأولى . بيروت 2007 .

13-                 هربرت فيشر

تاريخ أوروبا في العصر الحديث 1789 – 1950 . ترجمة/ أحمد نجيب هاشم وآخرون . طبعة دار المعارف . الطبعة السادسة . القاهرة 1972 .

المواقع الألكترونية

1-   أسماء علي

فلسفة التشيؤ: كيف حولت الرأسمالية الإنسان إلى سلعة؟ . مقال بموقع إضاءات https://www.ida2at.com/ . منشور بتاريخ 19 نوفمبر 2019 . شوهد بتاريخ 12 أغسطس 2025 . متاح من الرابط: https://www.ida2at.com/how-did-capitalism-turn-man-commodity/ .

2-   أنيس القديحي

هل سينتهي عصر البترودولار قريبا؟ . مقال بموقع BBC NEWS عربي https://www.bbc.com/ . منشور بتاريخ 26 مارس (آذار) 2022 . شوهد بتاريخ 15 أغسطس 2025 . متاح من الرابط: https://www.bbc.com/arabic/business-60861383

3-   عدنان عويد

سمات المجتمع الاستهلاكي . دراسة بموقع البلاغ https://mail.balagh.com/ . منشورة بتاريخ 10 أبريل 2013 . شوهدت بتاريخ 14 أغسطس 2025 . متاح من الرابط: https://mail.balagh.com/article/سمات-المجتمع-الإستهلاكي .



[1] محمد باقر المجلسي . بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار عليهم السلام . ج 75 ص 117 .

[2] محمد بن يعقوب الكليني . الكافي (الفروع) . كتاب المعيشة . ج5 ص 39-42 .

[3] ابن منظور الأفريقي (أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم الأنصاري الخزرجي المصري) . لسان العرب . ج 5 ص 395 – 399 .

[4] المصدر السابق . ج 17 ص 138، 139 .

[5] المصدر السابق . ج 17 ص 73 .

[6] محمد حسين الطباطبائي . الميزان في تفسير القرآن . ج2 ص 377، 378 .

[7] المرجع السابق . ج 8 ص 245 .

[8] محمد باقر المجلسي . مصدر سابق . ج66 ص 277 .

[9] المصدر سابق . ج 67 ص 159 .

[10] المصدر السابق . ج 52 ص 150 .

[11] هربرت فيشر . تاريخ أوروبا في العصر الحديث 1789 – 1950 . ص 5، 6 .

[12] جيل ليبوفتسكي . السعادة المتناقضة (مقالة عن مجتمع الاستهلاك المفرط) . ص29، 30 .

[13] المرجع السابق . ص 30 .

[14] المرجع السابق . ص 31 .

[15] المرجع السابق . ص 32، 35، 51 .

[16] المرجع السابق . ص 35، 36 .

[17] أسماء علي . فلسفة التشيؤ: كيف حولت الرأسمالية الإنسان إلى سلعة؟ . مقال بموقع إضاءات https://www.ida2at.com/ . منشور بتاريخ 19 نوفمبر 2019 . شوهد بتاريخ 12 أغسطس 2025 .

[18] جيل ليبوفتسكي . مرجع سابق . ص 37، 39 . عدنان عويد . سمات المجتمع الاستهلاكي . دراسة بموقع البلاغ https://mail.balagh.com/ . منشورة بتاريخ 10 أبريل 2013 . شوهدت بتاريخ 14 أغسطس 2025 . حسام الدين فياض . نظرية نقد المجتمع الاستهلاكي عند جان بودريار . مقال بمجلة الثقافة الجديدة . عدد 434 ص 37 – 40 .

[19] محمد الريشهري . ميزان الحكمة . ج2 ص 768 .

[20] المرجع السابق . ج2 ص 768 .

[21] المرجع السابق . ج2 ص 769 .

[22] المرجع السابق . ج2 ص 770 .

[23] محمد بن يعقوب الكليني . مصدر سابق . ج 5 ص 45 .

[24] المصدر السابق . ج5 ص 42 .

[25] المصدر السابق . ج5 ص 42 .

[26] أحمد صبري السيد علي . الجذور الطبقية لثورة الإمام الحسين . ص 44، 45 .

[27] محمد حسين فضل الله . من وحي القرآن . ج24 ص 253، 254 .

[28] المرجع السابق . ج5 ص 259 .

[29] المرجع السابق . ج5 ص 260 .

[30] المرجع السابق . ج5 ص 259-261 . محمد حسين الطباطبائي . مرجع سابق . ج3 ص 110-113 .

[31] المرجع السابق . ج5 ص 260 . المرجع السابق . ج3 ص 113 .

[32] أنيس القديحي . هل سينتهي عصر البترودولار قريبا؟ . مقال بموقع BBC NEWS عربي https://www.bbc.com/ . منشور بتاريخ 26 مارس (آذار) 2022 . شوهد بتاريخ 15 أغسطس 2025 .

[33] جيل ليبوفتسكي . مرجع سابق . ص 39 .

[34] ماو تسي تونغ . مقاطفات من أقوال الرئيس ماو . ص 201، 258 .

[35] محمد بن يعقوب الكليني . مصدر سابق . ج5 ص 43 .

[36] المصدر السابق . ج5 ص 40، 41 .

[37] روح الله الموسوي الخميني . الجهاد الأكبر . ص 15-20 .


رابط قناة التليجرام 

https://t.me/+0NOXQn74MG1hZDQ0

ليست هناك تعليقات: