الأحد، 29 أبريل 2012

ذكرى مايو وضرورة الصياغة الجديدة للطبقة العمالية



   مائة وثمانية عشر عاماً مرت منذ موافقة الكونجرس الأمريكي بتحريض من الرئيس جروفر كليفلاند على اعتبار الأول من مايو عيداً سنوياً للعمال ، وكان اختيار الأول من مايو مرتبطاً بحادثة إضرابات هايماركت بشيكاغو وألينوي عام 1886 حيث ارتكبت قوات الجيش الأمريكي مذبحة بحق العمال المضربين الذين طالبوا بحد أقصى لساعات العمل في اليوم الواحد لا يزيد عن ثمان ساعات ، فما كان من الجيش الأمريكي إلا إطلاق النار عليهم وحصد أرواح العشرات منهم ، وفي عام 1889 اعتبرت الأممية الثانية الشيوعية والتي قامت بزعامة كاوتسكي يوم الأول من مايو عيداً للمشاركين في هذه الإضرابات ، وهو ما دفع لاحقاً باتجاه اعتباره عيداً عاماً للعمال .

 
   كان نجاح العمال في استصدار هذا القرار من الكونجرس يعد انتصاراً عظيماً بكل تأكيد خاصة أنه تلا إضرابات بولمان والذي استخدمت خلاله الحكومة الأمريكية قدراً كبيراً من القسوة لقمعه ، لكن الرئيس الأمريكي أجبر في النهاية على إجراء مصالحة كان من بين فاعلياتها هو عيد العمال .
   تاريخياً لم يكن الأول من مايو هو أول احتفال بعيد العمال ، فقد كان عمال كندا النشطون يحتفلون بعيد لهم يوم الخامس من سبتمبر في هاملتون وتورنتو ، وأدت ضغوط وإضرابات العمال إلى تعميمه في كندا بداية من سبعينيات القرن الـ19 ، وكانت بدايته كذلك في أمريكا في نفس الموعد منذ عام 1882 ، إلا أن اقتران التاريخ الجديد بمثل هذا النصر على أكبر حكومة رأسمالية في العالم منحه وهجاً أكبر أدى لتعميمه .
   لقد حققت الحركات العمالية لاحقاً الكثير من المنجزات في صراعها الطبقي ضد الرأسمالية ، وساهم انتصار الثورة الروسية وتأسيس الاتحاد السوفيتي سنة 1917 ، ثم الكساد الاقتصادي الكبير والذي بدأ في سنة 1929 وتواصل خلال الثلاثينيات وبداية الأربعينيات ، ثم نشوب الحرب العالمية الثانية ، في تقوية الحركات العمالية والاتجاهات الشيوعية في أوروبا ، مما أدى إلى ظهور نظرية جون ميارد كينز والذي سعى تحجيم السوق الحر والتأسيس للاقتصاد المختلط فيما عرف بدولة الرفاهية عبر تدخل الدولة في بعض المجالات ، وقد تبنت دول الغرب الأوروبي هذه النظرية ضمن برامج مواجهتها للاتحاد السوفيتي .
   لكن وبداية من مرحلة السبعينات تكثفت محاولات الرأسمالية لتفتيت الطبقة العمالية بصفة خاصة والكادحين عموماً وتهميش دورهم ، وقد أدى انحراف الاتحاد السوفيتي عن دوره في دعم الحركات التحررية والنضالات العمالية ، إلى إطلاق المجال لهذه المحاولات ، التي سعت إلى الدفع بمنظمات تروج لنظريات تتدعو للتميز الديني ، العنصري أوالقومي ، لاستغلال تدفق العمال المهاجرين إلى سوق العمل الأوروبي لتعويض العجز في اليد العاملة عقب الحربين العالميتين ، وأصبح هناك مجال للتفرقة بين العامل المهاجر الذي يحمل ثقافة وقومية وديانة مختلفة والعامل المحلي ، وظهر صدام بين الطرفين في فترات الأزمات الاقتصادية ، بعد أن حملت هذه المنظمات مسئولية الأزمات الاقتصادية للمهاجرين .
   وفي مرحلة ثانية لجأت بعض الشركات إلى ضرب الحركات العمالية في بلادها عبر استقدام عمال آسيويين ، وهو ما فعلته شركة كتربيلر الأمريكية في مواجهتها لإضراب عمالها حيث استقدمت عمال آسيويين لكسر الإضراب ، ونجحت محاولتها بفعل الدعم الحكومي الأمريكي والذي بدأ منذ صعود رونالد ريجان في أمريكا ومارجريت تاتشر في بريطانيا ضرب النقابات العمالية وإضعافها .
   من ناحية أخرى سعت بعض الشركات الرأسمالية لإجبار حكومات بلدانها على التخفيف من الضرائب المفروضة على استثماراتها لصالح مشروعات التأمين الصحي وإعانات البطالة ، لنقل مشاريعها إلى الدول الآسيوية حيث التكلفة الضئيلة ، فشركة آبل تقوم بصناعة أجهزة آيفون وآيباد والكومبيوترات في الصين ، كما تم أنشاء مصانع شبيهة في الهند وماليزيا والجزائر وغيرها من البلدان الأقل من الناحية الإقتصادية ، وبقدر ما تضررت طبقة العمال في أوروبا ، زاد استغلال طبقة العمال في مناطق أخرى من العالم ، وزادت ثروات الرأسماليين عبر هذا التفتيت .
   وكان للتطور التكنولوجي غير المنضبط دوره السلبي ، بالرغم من كونه أحد الوسائل التي كان من المتوقع أن تزيد من أهمية الطبقة العمالية ، حيث أدى لإيجاد تمايزات داخل الطبقة العاملة ، فالعامل في المصانع المنتجة للأجهزة التكنولوجية والبرمجة يتميز بوضع إقتصادي أفضل كثيراً من نظيره في المصانع المنتجة لسلع أخرى ، ومن ناحية أخرى ساهمت هذه الأجهزة والآلات الجديدة إلى تقليص أعداد العمال لحد كبير .
   لقد تغير وضع الطبقة العاملة إذن ولحد كبير ، وبينما تضامنت في القرن التاسع عشر على مستوى العالم مع كفاح ابنائها في الولايات المتحدة ، صارت في الفترة الحالية مجرد أعداد من المهمشين المفتقدين للوعي بمصالحهم الطبقية والقابلين للتفتت بكل سهولة بين التراتبية داخل طبقتهم ذاتها ، وبين تنوع الانتماءات الدينية ، العنصرية ، القومية وحتى الرياضية عبر روابط المشجعين والتي أتخذت شكل مجموعات منظمة وعدوانية في الفترة الأخيرة .
   إن الرأسمالية في المرحلة الحالية تشهد أحد أسوأ أزماتها ، والتي يرى البعض أنها قد تؤدي لإضعافها وسقوطها كنمط إنتاج ، وهذه الأزمة دفعت في سبيل التأسيس لحراك ثوري جماهيري ضخم في مواجهتها من قبل الطبقات الاجتماعية التي تعرضت لأسوأ أنواع الاستغلال مؤخراً ، ومن الضروري استغلال هذه الأوضاع لإعادة تشكيل وعي الطبقة العمالية مرة أخرى ، بل وإعادة صياغة تعريف هذه الطبقة ليشملها وحلفائها المقربين من صغار الفلاحين والحرفيين ويسار البرجوازية الصغيرة ، وهو التحالف الذي أشار إليه ماو تسي تونج في تحليله لطبقات المجتمع الصيني ، وأصبحت الحاجة ملحة الآن لتطبيقه ، بعد أن تم مسخ هذه الطبقة وبدا واضحاً عدم قدرتها على قيادة النضال في مواجهة التوحش الرأسمالي .

أحمد صبري السيد علي

المنصورة 29 أبريل 2012

ليست هناك تعليقات: