الاثنين، 16 يناير 2023

إيران - الواقع والتصورات

 

منذ انتصار الثورة الإسلامية في إيران بقيادة الإمام الخميني، وهي محط اهتمام وسائل الإعلام الغربية والعربية، خاصة بعد تبنيها مشروعاً مقاوماً ضد النفوذ الأمريكي والصهيوني في المنطقة، عبر دعمها للمقاومتين الفلسطينية واللبنانية، بالإضافة لكونها النقيض الإيدولوجي للتيارات الليبرالية التي سعى الغرب لسيادتها على الدول الطرفية، والإسلاموية ذات المرجعية السلفية الوهابية المعبرة عن دويلات الخليج العربي والتي بدورها تأسست بدعم من الاستعمار البريطاني ضمن مخططه لتأمين الطريق إلى مستعمراته في شبه القارة الهندية والصين .

إيران - الواقع والتصورات

ص 87 - 94

رابط موقع إشتباك


   منذ انتصار الثورة الإسلامية في إيران بقيادة الإمام الخميني، وهي محط اهتمام وسائل الإعلام الغربية والعربية، خاصة بعد تبنيها مشروعاً مقاوماً ضد النفوذ الأمريكي والصهيوني في المنطقة، عبر دعمها للمقاومتين الفلسطينية واللبنانية، بالإضافة لكونها النقيض الإيدولوجي للتيارات الليبرالية التي سعى الغرب لسيادتها على الدول الطرفية، والإسلاموية ذات المرجعية السلفية الوهابية المعبرة عن دويلات الخليج العربي والتي بدورها تأسست بدعم من الاستعمار البريطاني ضمن مخططه لتأمين الطريق إلى مستعمراته في شبه القارة الهندية والصين .

   إلا أن الأحداث هذه المرة لم تتعلق بالسلوك الإيراني المقاوم في المنطقة وإنما بالداخل الإيراني ذاته والذي يبدو غامضاً وغير مفهوم بالنسبة للعالم العربي، تحت تأثير الدعايات السلبية الغربية والسلفية .

   لعقود، ومنذ انتصار الثورة الإسلامية، نجحت الإعلاميات الغربية والعربية (الممولة خليجياً) في إثارة الكثير من الغبار حول الداخل الإيراني، والتشويش حول واقع هذا البلد وحتى تاريخه وحضارته، مظهرة إياه ككيان يسيطر عليه التخلف والرجعية والتعصب الديني والطائفي، فهو أشبه بسجن كبير، كما يحلو لذوي النزعة البرجوازية الاستهلاكية التافهة وصفه، الذين تفرض عليهم تلك النزعة الاستسلام والتبعية للمركز الرأسمالي وتدفعهم لتبني كل ادعاءاته .

   إن هذه الذهنية المفرطة في سطحيتها، هي التي سيطرت على الغالبية العظمى ممن يكتبون عن إيران في العالم العربي حتى بين الكثيرين من مدعي الماركسية الذين يفتقدون حتى للمعلومات الأولية عن جغرافية إيران الطبيعية والسكانية وتاريخها وثقافتها؛ وبالتالي فقد برز في الفترة الأخير سيل من المقالات والمشاركات على مواقع التواصل الاجتماعي التي طنطنت حول نضال النساء في إيران ضد الحجاب والرجعية، تبعاً لموجة العناوين الغربية، وقرب سقوط النظام الإسلامي والطائفي المتعصب ... الخ من هذه المغالطات .

   وبالرغم من أن هذه النوعية من التظاهرات تشهدها أوروبا وأمريكا في حوادث قتل عرقية وعنصرية بشكل سنوي تقريباً، فالمثير للتعجب أن هذه النوعية من الكتاب لا تلتفت كثيراً لهذه التظاهرات بقدر تركيزها على التظاهرات في إيران ولا يمكن أن يدعي أي إنسان أن بعض الاحتجاجات كفيلة بإسقاط نظام مهما بلغت كثافتها بالرغم من أن هذه الاحتجاجات ذاتها لم ترفع مطالب بهذا الشكل، بل ويعتبر بعض هؤلاء أنها من أهم دعائم الديموقراطية في الغرب الرأسمالي بالقارتين .

   قبل الكلام عن الأحداث في إيران من الضروري الإشارة بصورة مختصرة إلى جغرافيتها الطبيعية والسكانية، والتي أثرت لحد كبير في تاريخها وتطورها كدولة في العصر الحديث منذ تأسيسها على يد الشاه إسماعيل الصفوي سنة 1501 .

   تتميز إيران بطبيعة وعرة للغاية، فالقسم الأكبر منها يتكون من هضبة تعرف باسم هضبة إيران، وتحيط بها سلاسل جبال شاهقة من كل جانب تقريباً، فتحدها من الشرق ثلاثة من الجبال المتوازية تعرف بجبال سليمان، ومن الشمال سلسلة جبال البُرز والتي تمتد إلى الهند حيث تتصل بجبال الهيمالايا، ومن الغرب جبال زاجروس التي تمتد من الشمال للجنوب، ثم تعرج جنوباً وشرقاً لتصل إلى بحر عمان، وفي وسط الهضبة هناك مناطق صحراوية مثل صحراء كوير شمالاً وصحراء لوط جنوباً[1] .

   كان لهذا الوضع الجغرافي تأثيره على الواقع الاقتصادي والسياسي والثقافي في التاريخ الإيراني، فسلاسل جبال البُرز تفصل مناطق شمال إيران المطلة على بحر قزوين، مثل (غلستان، مازنداران"طبرستان سابقا"، جيلان "الديلم سابقاً") عن المركز في الهضبة، وهي من المناطق القليلة التي تنتشر فيها الزراعة نتيجة طبيعتها السهلية ووفرة الأمطار، وهو ما ينطبق على خوزستان في الغرب والمناطق المطلة على بحر عمان كذلك التي تفصلها عن الهضبة سلسلة جبال زاجروس، وسلاسل الجبال الجنوبية، كما تعزل صحراء كوير مناطق الشمال جنوب جبال البُرز، وتعزل صحراء لوط المناطق الشرقية، وبالتالي فقد ظلت مركزية الدولة في إيران ضعيفة طوال تاريخها واعتمدت على نظام يشبه الحلف بين الأسر الحاكمة في هذه المناطق[2] .

   من الناحية الثقافية، أثرت هذه العوازل الجغرافية على الشعوب الإيرانية ووحدتها اللغوية، فبالرغم من كون اللغة الفارسية هي الرسمية، إلا أن هناك لغات أخرى يتحدثها الشعب الإيراني، ففي محافظات الشمال المعزولة بجبال البُرز يتحدث السكان المازندرانية (الطبرية) والديلمية والقزوينية[3]، وفي غرب إيران وجنوبها الغربي، حيث جبال زاجروس، يتحدث السكان الكردية بلهجاتها المختلفة (الكرمانجية، السورانية واللرية) بالإضافة لانتشار اللغة العربية والمندائية على سواحل الخليج العربي وبالقرب من شط العرب، أما في الشرق فهناك البلوش الذين يتحدثون اللغة البلوشية، وفي الشمال الغربي يتحدث السكان التركية الآذرية، وفي الشمال الشرقي يتحدث بعض السكان التركية التركمانية، وثمة لهجة تركية تتحدثها قبائل رعوية في شيراز وأصفهان هي لهجة قشقاي، وهناك لغات أخرى تنتشر في الشمال مثل تالش وإن كانت الأخيرة تمتد إلى آذربيجان كذلك .

   إن الغالبية العظمى من هذه اللغات (المازندرانية، الديلمية، القزوينية، الكردية، البلوشية، التالشية والفارسية) في بالأساس لهجات آرية، وبالرغم من تقاربها الكبير إلا أن العوازل الطبيعية سالفة الذكر أدت إلى تطورها بصورة مختلفة عن الفارسية (بلهجتيها الفهلوية القديمة والدرية الحالية) في مركز الهضبة الإيرانية، كما أن هذه المناطق طوال تاريخ الدول الفارسية المختلفة مثلت الأكثر شغباً ضد سيطرة حكومة مركزية على الهضبة الإيرانية .

   من الناحية الدينية يمثل الإسلام الدين الغالب على إيران بنسبة 98%، ويمثل المذهب الشيعي نسبة 90% من المسلمين وهم من الشيعة الإمامية الإثنى عشرية، لكن ثمة طوائف شيعية أخرى متواجدة يمكنها أن ترفع نسبة الشيعة إلى 95% من المسلمين كالشيعة العلويين، والشيعة الإسماعيلية، وكليهما يعدان عند فقهاء الشيعة الإثني عشرية من الغلاة .

   ومن هنا يمكن توضيح السبب الذي من أجله تحظى المرجعية الدينية الشيعية بكل هذا القدر من الأهمية في إيران، فالإسلام والمذهب الشيعي هما ما يجمعان الشعب الإيراني بشكل فعلي، وهما عنصرا القوة الأساسي لضمان وحدة أراضي الدولة ومن غير المتوقع أن ينسحب هذان العنصران من الحياة السياسية مهما كان شكل الحكم فيها، إسلامياً أو علمانياً؛ وهو ما ساد في التاريخ الإيراني حتى قبل الإسلام، حيث اعتمدت الأسرة الساسانية على الديانة الزرادشتية كعامل توحيد في إيران لما يزيد عن أربع قرون[4]، ولم تواجه المصاعب إلا بعد الغزو البوذي من الشرق والمسيحي من الغرب والشمال الغربي، والذي اقترن مع انتفاضات إجتماعية لعل أهمها "المزدكية" .

   أما المحيط بإيران، فمن الملاحظ أنه باستثناء آذربيجان[5] وأرمينيا (المسيحية)[6] في الشمال الغربي، والعراق في الغرب، فإن إيران محاطة بدول تتبنى المذهب السني، وبالتالي فعلاقاتها مع الخارج بشكل عام تعتمد على الانتماء الإسلامي العام، ولا يمكنها بكل الأحوال تبني سياسة قومية فارسية في الداخل أو في التعامل مع الخارج، ولنلاحظ أن هذه السياسة القومية الفارسية كانت من أهم أسباب سقوط الشاه وتعاطف الجماهير الإيرانية مع ثورة إسلامية يقودها عالم دين شيعي .

   وإذا كان هذا هو تأثير الجغرافيا الطبيعية والسكانية، فإن تأثير الاقتصاد وهو العامل الأول في التغيرات الاجتماعية يبدو أكبر، فمن المعطيات الجغرافية السابقة فإن الزراعة ليست هي النشاط الاقتصادي الأبرز في إيران خاصة أنها لا تنتشر إلا في سهول الشمال وسهول خوزستان، وإنما كان تواجد إيران في وسط الطريق بين الصين والهند شرقاً وبين أوروبا غرباً هو ما جعل النشاط التجاري هو النشاط الاقتصادي الأكثر أهمية في إيران، وحرصت الدولة الساسانية على السيطرة على موانئ الخليج العربي وبحر عمان والبحر العربي من أجل احتكار التجارة بين الشرق وأوروبا .

   وفي تاريخ إيران الحديثة كانت إرادة البازار الإيراني التقليدي، الناقم على غزو البضائع الأجنبية وما يصحبها من مزاحمة تجارية وثقافية في الداخل الإيراني، هي المحرك الأول للانتفاضات الاجتماعية في إيران، كثورة التبغ (1890)، الثورة الدستورية (1905 – 1911)، وثورة تأميم النفط (1953)، ونظراً للتحالف القوي بين البازار وعلماء الدين فلم يكن من المستغرب أن تكون قيادة كل هذه الانتفاضات الاجتماعية خاضعة لعلماء دين إيرانيين مثل السيدين محمد الطباطبائي وعبدالله البهبهاني[7]، حتى ثورة مصدق سنة 1953 لم يكن لها لتنجح لولا تحالفه مع آية الله العظمى السيد أبو القاسم الكاشاني .

   لقد كانت معطيات الوضع الجغرافي والاقتصادي هي أساس التحالف بين البازار والحوزة العلمية الشيعية، فتجار البازار، وبحسب أحكام المذهب الشيعي الإثني عشري، يدفعون خمس أرباح السنة لمراجع التقليد الشيعة[8] بالإضافة إلى الزكاوات والصدقات، بهدف إنفاقها في الوجوه الشرعية المعروفة بالإضافة للانفاق على طلاب الحوزة، وبالتالي هم الممول الأساسي لها، كما أن هذا التمويل كان الضمان لاستقلال الحوزة العلمية عن أي مؤثر سياسي من قبل الحكومات المختلفة والتي فشلت في إجبار المجتهدين الشيعة على الافتاء لصالح محاولاتها تغريب إيران ومنح اقتصادها للأجانب، وفي المقابل كان علماء الدين بكل ما لديهم من نفوذ على الجماهير الشيعية هم الضمانة لعدم تفيت إيران ووحدتها، ورفض منح الاقتصاد الإيراني لوكلاء الشركات الغربية (الكومبرادور) والذي تشكلت بداياته في العصر القاجاري وخاصة في فترة ناصر الدين شاه (حكم في الفترة بين 1848 – 1896)[9] .

   وبالرغم من أن إيران شهدت تواجداً يسارياً كبيراً بداية من حركة جمهورية جيلان السوفيتية سنة 1920، ثم تأسيس حزب توده سنة 1941 وحتى حظر نشاطه سنة 1983[10]، إلا أن الحركات الشيوعية في إيران عموماً وعلى رأسها هذا الحزب فشلت في الانتشار بين الجماهير نتيجة عدائها للمؤسستين، خاصة في دعوته الغامضة للدفاع عن الحقوق القومية للإثنيات في إيران، بالإضافة لخلافاتها الداخلية، وخاصة بين حزب توده وحركة فدائيو خلق .

   كان التمسك بالهوية الإسلامية في إيران، ومن بينها الحجاب، هو إرادة أبناء الريف والأقاليم في مواجهة برجوازية المدن الكبرى، والتي ينتمي إليهم الغالبية العظمى من علماء الدين وكبار رجال البازار (في هذه المرحلة)، وهم الذين تم تجاهلهم في العهد الشاهنشاهي، وبقيت في حالة من الفقر ونقص الخدمات، الصحية والتعليمية على وجه الخصوص، كما تركوا ضحية للكوارث الطبيعية ولعل أشهرها زلزال طبس الذي قضى تماماً على المدينة وأدى لوفاة 9 آلاف من ابنائها سنة 1978 .

   إذن كيف يمكن قراءة الأحداث الأخيرة في إيران ؟! في البداية من الضروري التأكيد أن التظاهرات في إيران لم تطالب أبداً بإسقاط الجمهورية الإسلامية، وإنما ارتبطت مطالبها جميعاً بمصالح البازار الإيراني .

   لقد شهدت فترة حكم هاشمي رفسنجاني والتي تلت انتهاء الحرب مع العراق، تأسيسه لما يسمى كوادر البناء في محاولته لإعادة بناء الاقتصاد الإيراني، وفي سبيل تحقيقه لهذا الغرض، ومع انتماء عائلته المعروف للبازار فقد سعى لحرية السوق وخصخصة الصناعات المملوكة للدولة، والذي تلاقى مع رغبة رجال البازار في عدم الصدام مع الأمريكيين، وجاء خلفه محمد خاتمي ليواصل سياساته ويفتح المجال أمام الاستثمار الأجنبي .

   برزت الاشكالات الاجتماعية في إيران بوضوح منذ رئاسة خاتمي، كنتيجة لسماحه بالاختراق الأجنبي عبر الاستثمارات المزعومة، فالبازار الإيراني الذي دعم الثورة سابقاً للقضاء على المنافسة الأجنبية، أصبح أمام المتغيرات الإقليمية والعالمية يسعى لفتح المجال أمام ثرواته المهددة نتيجة للعقوبات المطبقة على إيران منذ نجاح الثورة، ويتطلع للقيام بدور الكومبرادور في الداخل الإيراني مع الاحتفاظ بالشكل الإسلامي المظهري بعيداً عن شعارات الثورة الأساسية التي أطلقها الإمام الخميني والرافضة لتراكم الثروة والمنحازة بوضوح للكادحين[11]، وبالتالي فهو يطالب بضرورة تجنب الصدام مع الأمريكيين والعودة للاتفاق النووي، وتخفيض الدعم للمقاومة في لبنان وفلسطين واليمن، بهدف رفع الحصار الاقتصادي عن إيران، وزيادة التبادل التجاري مع أوروبا والولايات المتحدة، والتي غالباً ما يتعثر نتيجة الأزمات السياسية بين الطرفين وتبني السيد الخامنئي لسياسة دعم الصناعات المحلية[12] .

   ومما يدعم موقف البازار الإيراني هو زيادة حجم الطبقة البرجوازية بشرائحها الثلاث على حساب الريف الإيراني، في الفترة الممتدة من رئاسة رفسنجاني وحتى نهاية رئاسة حسن روحاني[13]، والتي شهدت توسعاً ضخماً في التعليم وفي حجم الشركات التي تقوم على اقتصاد الخدمات وخاصة خدمات الاتصالات والانترنت، وشهدت فترة خاتمي على وجه الخصوص زيادة التبادل التجاري مع الغرب، والذي استفاد منه الكثيرين (خاصة أبناء رجال الثورة السابقين) في الدخول إلى مجال الأعمال التجارية، حيث انتشرت المنتجات الغربية في إيران وبدت بوضوح في استهلاكيات هذه الشرائح الاجتماعية، وهو ما استفز السيد علي الخامنئي ودفعه لتوجيه انتقاد علني في 2016 لهؤلاء الأثرياء الذين يتحركون بسيارات باهظة في طهران حيث تساءل عن السبب الذي يدفع الحكومة للسماح باستيراد هذه السيارات باهظة الثمن والتي لا يمكن للعامل الإيراني العادي التفكير في شرائها، وتجاهل الصناعة الوطنية، معتبراً أن هذا المشهد يعبر عن مشكلة هوية وسوء تربية في آن[14] .

   إن المراقب للأحداث في إيران يمكنه ملاحظة أن المشاركين فيها ينتمون لمجموعتين تتشكل كل منهما من عدة فصائل .

   هناك المجموعة الأولى وهي الفصائل الانفصالية مثل :

   حزب الحياة الحرة الكردستاني (بيجاك)، والذي يقال أن بعض أفراد أسرة مهسا أميني ينتمي إليه، وحزب كومله (له ماض شيوعي سابق قبل أن يتراجع مؤخراً لمطالب عرقية كردية)[15]، وكلاهما يطالب بدولة كردية أو على الأقل بحكم ذاتي للأكراد في إيران، وقد تم الكشف مؤخراً عن علاقة الحزبين بالكيان الصهيوني .

   على الجانب الشرقي هناك منظمة جند الله البلوشية السلفية، والتي تسعى لانفصال بلوشستان عن إيران وباكستان تحت دعاوى قومية ودينية، وقامت أثناء الأحداث باغتيال عالم الدين السني الإيراني عبدالواحد ريغي بتهمة موالاة النظام، ومن المعروف أن لهذه المنظمة دور في تسهيل تجارة المخدرات والسلاح، كما أن لها علاقات صريحة بالأمريكيين، وقد تم سابقاً القبض على زعيمها عبدالملك ريغي أثناء عودته من اجتماع معهم في أحد قواعدهم العسكرية بالخليج العربي.

   من الناحية الغربية، هناك بعض الفصائل الانفصالية العربية في خوزستان الموالية لبعض الدول الخليجية، وتسعى لانفصال الجزء العربي من خوزستان، تحت دعاوى عرقية ودينية مذهبية، رغم أن أغلبية عرب إيران من الشيعة الإثني عشرية .

   وقد تولت هذه العناصر الانفصالية بمساعدة من بعض كوادر مجاهدي خلق الموجودة في الداخل، تنفيذ بعض العمليات ضد الحرس الثوري والمزارات الدينية ومن أهمها تفجير مرقد شاه ﭽراغ[16] في شيراز (يضم رفات أحمد ابن الإمام موسى الكاظم، وشقيق الإمام علي بن موسى الرضا المدفون في مشهد) والذي قتل فيه 15 شخصاً ما بين زائر وموظف، وإصابة أكثر من 40 آخرين .

   هناك كذلك الفصائل المدعومة غربياً ومن أهمها الإصلاحيون، وهم التيار الأكبر حجماً بين المتظاهرين، وعلى رأسهم جبهة المشاركة الإسلامية في إيران والذي يضم لعضويته كل من زهرا إشراقي حفيدة الإمام الخميني من ابنته، وزوجها محمد رضا خاتمي شقيق محمد خاتمي رئيس الجمهورية الأسبق، وفائزة رفسنجاني ابنة الرئيس الأسبق، الراحل هاشمي رفسنجاني .

   وثمة فصيل آخر ينتمي لهذه المجموعة وهم المنتمون للطرق الصوفية وخاصة طريقة نعمتلاهي (نسبة إلى نعمة الله ولي) وهي من الطرق الصوفية المعروفة في إيران ولأقطابها وأفرادها توجهات علمانية، وهم في غالبيتهم من النخب المثقفة، كما أن لها تفسيراً خاصاً للإسلام والتشيع لا يقبله علماء الدين الشيعة[17]، وهذه الطرق الصوفية تحظى بدعم واضح (معنوي ومالي) من قبل الغرب عموماً نتيجة عدم تبنيها لمشروعات عدائية تجاهه، بالإضافة لعلاقتها الفاترة بالنظام في إيران، وقد ابتكر أبناء هذه الطريقة أسلوب استخدام السيارات في دهس عناصر الحرس الثوري خلال تظاهراتهم الأخيرة في سنة 2018، ضد اعتقال زعيمهم نور علي تابنده وبعض أفراد الطريقة، وقد استخدم هذا الأسلوب كذلك في الاحتجاجات الأخيرة .

   وبالرغم من أن أهداف المجموعتين ليست واحدة بكل تأكيد، إلا أن المجموعة الأولى المكونة من فصائل انفصالية مسلحة سعت لاستغلال التظاهرات بهدف تنفيذ عمليات عسكرية ضد عدد من الأهداف في إيران، وخاصة معسكرات الحرس الثوري والباسيج (المتطوعين)، على أمل زيادة اشتعال التظاهرات، وإجبار النظام على تقديم تنازلات لتهدئة الأوضاع .

   إذن فالصراع الداخلي في إيران لم يسع بالأساس إلى إسقاط النظام، وإنما المستهدف الحقيقي هو قائد الثورة السيد علي خامنئي والذي يتخذ موقفاً متشدداً من الاتفاق النووي، ويسعى لدعم المقاومة في لبنان وفلسطين واليمن ضد الأمريكيين والكيان الصهيوني، ويرفض التخلي عن دعم الصناعات المحلية (التقليدية كصناعة السجاد والمتطورة)، خاصة في مجالات صناعة الأدوية حيث تنتج إيران 95% من احتياجاتها في هذا المجال، وهنا تلتقي مصالح البازار مع النظام والأمريكيين في وقت واحد، فهو يرغب في الحفاظ على الصناعة التقليدية اليدوية، ويسعى لفتح السوق الإيراني أما غزو المنتجات الصناعية المتطورة بما لا يتعارض مع منتجاته التقليدية[18] .

   ومن هنا لا نستغرب أن المتظاهرين لم يستهدفوا أي من رموز الثورة الإسلامية السابقين والحاليين، وإنما تركزت جهودهم على استهداف شخص السيد الخامنئي، كما لا نستغرب أن يدعم رئيس الجمهورية السابق محمد خاتمي وبعض الشخصيات من أسرة الإمام الخميني وأسرة الرئيس السابق هاشمي رفسنجاني، بل وشخصيات من أسرة السيد الخامنئي ذاته[19] مطالب المتظاهرين، وهم الذين تمكنوا من الدخول بمجال الأعمال التجارية في عهد محمد خاتمي[20] الأمر الذي كان ممنوعاً عليهم سابقاً، خاصة في حياة الإمام الخميني مؤسس الجمهورية، كما لا يستغرب أن نسمع دعم للتظاهرات من عناصر حكومة حسن روحاني، التي وقعت الاتفاق النووي السابق مع الأمريكيين، والتي وجه لها السيد الخامنئي انتقادات علنية، مثل معصومه ابتكار نائبته لشئون المرأة، ونائبه إسحاق جهانجيري .

   إذن الخلفية الأساسية لهذه التظاهرات هي محاولة الضغط على السيد الخامنئي لتقديم تنازلات في الداخل والخارج، وكانت مقدمات الأحداث واضحة منذ بداية العام حيث نجحت المؤسسة الأمنية الإيرانية خلال هذا العام، في تفكيك العديد من الشبكات الإرهابية وشبكات التجسس للكيان الصهيوني ولعل أهمها الشبكة التي تكونت من عناصر من حزب كومله الكردستاني بقيادة عبدالله مهتدي، وبإشراف من ضباط الموساد الصهيوني[21]، مما يؤكد أن أحداث الشغب كان محضراً لها منذ فترة وليست عفوية على الإطلاق .

   إن ما يطلبه هؤلاء في الواقع هو نظام إسلامي مدجن في إيران على غرار الأنظمة الدينية في الخليج الفارسي، أي التخلي عن الحالة الثورية الرافضة لهيمنة المركز الرأسمالي وممثله في المنطقة الكيان الصهيوني، إلا أن كلا المجموعتين تعرفان أن إسقاط النظام في إيران غير واقعي خاصة مع جماهيريته الضخمة التي أظهرتها التظاهرات الداعمة له، وبالتالي فقد تقلصت المطالب تدريجياً لتصل إلى محاولة الضغط من أجل تقديم أي تنازلات من قبل قائد الثورة تساوي الخسائر والنفقات والتغطية الإعلامية التي تمت خلال هذه الأحداث، لعل أهمها تقييد سلطاته، قبل أن تتراجع التظاهرات تماماً، وتنتهي إلى لا شيء، مع بقاء بعضها في مهاباد الكردستانية، وبعض العمليات الإرهابية المتفرقة، والتي كانت تتم سابقاً نتيجة الصدامات مع الفصائل المسلحة المتواجدة على الحدود .

   لا يمكن إنكار أن هناك قطاع من البرجوازية الإيرانية (كالممثلين مثل كتايون رياحي[22] ولاعبي الكرة مثل علي كريمي وعلي دائي) وأبناء رجال الأعمال الإيرانيين ينظر بعداء للحجاب، أو لفكرة فرض الحجاب، كما يتمنى نمط الحياة في أوروبا وشمال أمريكا، وهذه النوعية ينتمي إليها حتى بعض أبناء المسئولين الإيرانيين سواء من الإصلاحيين أو الأصوليين، الذين أقاموا مشروعات تجارية وخدمية في الفترة الأخيرة، إلى درجة أجبرت رئيس الجمهورية بإصدار قرار بمنع سفر أبناء المسئولين للتعليم أو الهجرة للخارج قائلاً بأنه إذا رحل الابن فليرحل الأب أو الأم معه، كما وجه قائد الثورة قراراً بإعادة مواجهة الثقافة الاستهلاكية المنبهرة بالغرب التي سيطرت في الفترة الأخيرة على الشعب الإيراني بما يعني ثورة ثقافية جديدة، وفي سبيل تحقيق هذا الهدف فمن المتوقع أن تتغير وجوه كثيرة في الفترة القادمة لتتصدر المشهد في إيران بينما ستبتعد وجوه أخرى كانت في الصدارة منذ تسعينات القرن الماضي، إلا أن المؤكد هو عدم قدرة هذه النماذج على التواصل الحقيقي مع الشعب الإيراني والذي يتعاطف أغلبه مع النظام كما أظهرت التظاهرات المؤيدة .

   في النهاية نجح النظام، عبر الدعم الجماهيري، في تجاوز الموقف دون خسائر حقيقية أو تنازلات، حتى الآن، كما أنه استخدم هذه التظاهرات بهدف تنحية المعارضين للسيد الخامنئي من داخل النظام بصورة نهائية، وتوجيه ضربات قاسية للمجموعات الانفصالية الموجودة في شرق إيران أو في كردستان العراق وخاصة بالسليمانية .

   على إن مطالبة السيد علي خامنئي قائد الثورة بإعادة قيم الثورة الثقافية (التي تمت في فترة قيادة الإمام الخميني) مرة أخرى، يعني أن النظام في إيران قد أدرك أنه من الضروري عليه تحديد موقفه غير الواضح من التعامل مع سعي المركز الرأسمالي لإعادة تقسيم سوق العمل في العالم، فطوال عهد رفسنجاني ثم خاتمي وروحاني كان مشروعهم الأساسي هو دمج الاقتصاد الإيراني في هذا النظام، بناء على التحالفات السابقة مع البازار، إلا أن الأحداث الأخيرة أكدت مدى هشاشة هذا التحالف حالياً مع المتغيرات الأخيرة، وأصبح من الضروري استعادة الوجه الثوري القديم لإيران بل بصورة أكثر ثورية من السابق لمواجهة الأزمات الداخلية المرشحة للتصاعد في الفترة القادمة، والأهم تحديد هوية الاقتصاد الإيراني بدلاً من صفة " الاقتصاد الإسلامي " الغامضة من ناحية المفهوم .

أحمد صبري السيد علي

27 ديسمبر 2022



[1] حسن ﭙيرنيا . تاريخ إيران القديم من البداية حتى نهاية العهد الساساني . ترجمة / محمد نور الدين عبدالمنعم، السباعي محمد السباعي . طبعة دار الثقافة للنشر والتوزيع . الطبعة الثانية . القاهرة 1992 . ص 5، 6 .

[2] حسن ﭙيرنيا . م . س . ص 296، 297 .

[3] ينتمي سكان محافظات الشمال الإيراني إلى الكادوسيين، وهو شعب آري له صلات قوية بالفرس والأكراد إلا أن المعلومات عنه من الناحية التاريخية قليلة للغاية .

[4] كان جد الأسرة الساسانية " ساسان " سادناً لبيت نار في اصطخر .

[5] ترتبط آذربيجان بإيران تاريخياً وثقافياً ودينياً، وسابقاً لم تكن اللغة التركية هي السائدة في آذربيجان وإنما سادت لهجات آرية لعل أهمها لغة تالش . وبعد السيطرة المغولية على إيران وتوافد قبائل الأوغوز (يطلق عليهم المصريون الغز)، تغيرت اللغة تدريجياً إلى التركية بلهجة آذرية خاصة .

[6] هناك تقارب عرقي بين الإيرانيين والأرمن كونهما من الشعوب الآرية، ودائماً ما كانت علاقة الأرمن مع الدولة في إيران ودية، وحتى في إيران الإسلامية يحتفظ الأرمن بوضع جيد وعلاقة رائعة مع الدولة، وفي فترة سابقة كان الأرمني أندرانيك تيموريان هو كابتن منتخب إيران الإسلامية لكرة القدم، وقد شارك فنانون من الأرمن في تزيين مرقد الإمام علي بن موسى الرضا في مشهد .

[7] من قادة الثورة الدستورية .

[8] لا تتشابه المؤسسة الدينية الشيعية مع غيرها من المؤسسات الدينية الأخرى في العالم الإسلامي، حيث يعتمد نظام مراجع التقليد بالأساس على شعبية المجتهد بين جماهير المؤمنين الشيعة في العالم والذين بدورهم يختارون المرجع الذي يقلدونه في الفقه بناء على ما يلاحظونه من علمه وتقواه ورفضه لأي مؤثر سياسي، وبالتالي فهي نظام عابر للحدود ولا يعتمد على أي تأثير من الحكومات السياسية، فمقلدي كل مرجع يتوزعون على كافة مناطق الانتشار الشيعية بغض النظر عن جنسية المرجع، ومن المعتاد في الوسط الشيعي أن تكون شعبية المرجع المرتبط بسلطة سياسية أقل كثيراً من نظرائه المتمردين عليها، وهو حدث للشيخ علي كاشف الغطاء في العراق والذي فشل في تحقيق إنتشار كبير في ستينات القرن الماضي نتيجة ارتباطه بالحكومة في بغداد مما قلل كثيراً من نفوذه الجماهيري رغم انتمائه لأسرة شيعية عريقة .

[9] تشبه ممارسات ناصر الدين شاه ما قام به كل من سعيد باشا والخديو إسماعيل في مصر، وقد كان معاصراً لفترة حكم عباس حلمي الأول، سعيد، الخديو إسماعيل، الخديو توفيق، وجزء من فترة حكم الخديو عباس حلمي الثاني، وبالتالي لم يكن من الغريب أن تظهر الحركتين البابية والبهائية خلال فترة حكمه، ويصنف بعض الباحثين كلا الحركتين ضمن مساع النخب الإيرانية لتسريع تغريب إيران والتعجيل بالقضاء على النظم التقليدية .

[10] كان حزب توده حزباً سرياً منذ تأسيسه ولم يظهر إلى العلن إلا عقب انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، وكان من أسباب الصدام بينه وبين الحكومة الإسلامية هو علاقة قيادته بأحد موظفي السفارة السوفيتية بطهران وهو فلاديمير أناتوليفيتش كوزﭽكين، والذي اتضح سنة 1982 كونه عميلاً للبريطانيين، بالإضافة للاتهامات التي وجهت للحزب بالمشاركة في تمرد سنندج بكردستان الإيرانية .

[11] تعبر هذه الشعارات عموماً عن التقاليد الموروثة في المذهب الشيعي، والمنقولة عن أئمة أهل البيت .

[12] في 2016 وبناء على انتقادات من قائد الثورة حظرت إيران استيراد السيارات الأمريكية، حيث شدد السيد الخامنئي على ضرورة دعم الصناعات المحلية .

[13] تعتبر فترة رئاسة محمود أحمدي نجاد حالة اعتراضية .

[14] تعد فكرة تقارب أسعار السلع موروثة عن الإمام علي بن أبي طالب، حيث تذكر إحدى المرويات زيارته لأحد أتباعه وهو ميثم التمار وخلال الزيارة وجده قد قسم التمر وسعره بناء على جودته، فأمره بخلط التمر ببعضه وبيعه بسعر واحد مشيراً إلى أنه باستخدامه لهذه الطريقة في التفريق بين أسعار التمر إنما يفرق بين الناس .

[15] كان حزب كومله قد شارك مع القوات العراقية أثناء الحرب مع إيران، ثم أوقف نشاطه العسكري بعد وقف إطلاق النار عام 1988 وحتى عام 2016 عندما بدأت علاقاته مع الأمريكيين عبر مفوضه في أمريكا صلاح بايزيدي والذي كون علاقة كذلك مع لجنة الشئون العامة الأمريكية الإسرائيلية (إيباك) .

[16] تعني بالفارسية ملك النور .

[17] تأسست هذه الطريقة على يد المتصوف نعمة الله ولي الحسيني المولود بحلب 1330 والمتوفي بمدينة ماهان في كرمان بجنوب إيران عام 1431، وقد عاصر بدايات تأسيس دولة الآق قوينلو (أصحاب الحمل الأبيض) التركمانية المدعومة من قبائل الأوغوز .

[18] لعل هذا الموقف الوسطي للبازار يؤكد أنه لا يرغب بل لم يفكر أصلاً في إسقاط النظام وإنما يسعى لمراكمة مكاسبه التي حققها في فترتي رئاسة رفسنجاني وخاتمي .

[19] على رأس الشخصيات المعارضة للسيد الخامنئي من أسرة الإمام الخميني حفيده حسين مصطفى الخميني والذي توجه لإقامة في العراق سنة 2003 والتقى هناك ببول بريمر أكثر من مره، وحفيدته زهراء إشراقي، ومن أسرة الشيخ رفسنجاني فائزة رفسنجاني، أما من أسرة السيد الخامنئي فمن المعارضين له شقيقه هادي خامنئي وشقيقته بدري حسيني خامنئي، وابناها محمود مراد خاني وفريدة مراد خاني والأخيرة اعتقلتها السلطات الإيرانية في نوفمبر الماضي .

[20] أغلب هذه الشخصيات وعلى رأسها هادي خامنئي وفائزة رفسنجاني وزهرا اشراقي كانوا من المؤيدين لمحمد خاتمي .

[21] تم الكشف عن هذه الخلية في 27 يوليو 2022 الماضي، وفي شهر ديسمبر تم تفكيك أربع شبكات تجسسية أخرى .

[22] عرفت كتايون رياحي بدور زليخة في مسلسل يوسف الصديق الذي حقق شهرة كبيرة في العالم العربي .

هناك تعليقان (2):

Cheetos S يقول...

من الغريب الحديث ان ايران بنظامها الاسلامي هي القاءد للواجهة الشيعية و بنفس الوقت تتهم الشعوب الاخرى انها مجرد شعوب تسير وراء من يملك السلاح بكل سطحية و خبل و تنسى ان مجازر اقيمت لتغيير المذهب و اضلا مدن مثل مازندران و النهروان و همدان لم تكن شيعية في الاصل و ان فقط ٤ مدن بايران هي من يتركز فيها الشيعة قبل قدوم الصفويون اضلا

أحمد صبري السيد علي يقول...

الكلام ده غير صحيح تاريخيا .. ايران كانت اغلب مدنها شيعية حتى قبل الصفويين .. وخاصة في ريفها وحتى همدان التي تذكرها كانوا ينتمون لطرق صوفية شيعية كالنعمتلاهي بالاضافة لطرق أخرى كالحروفية وغيرها